أحمد بن محمد مسكويه الرازي
133
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الوصول إلى أعظم الخيرات عندكم ؟ وما بالكم تعدون موافقتها خيرا ثم تسترونها ، وترون سترها وكتمانها فضيلة ومروءة وانسانية ، والمجاهرة بها واظهارها بين أهل الفضل وفي مجامع الناس خساسة وقحة ؟ لظهر من انقطاعهم وتبلدهم في الجواب ما نتعلم به سوء مذهبهم وخبث سيرتهم ، وأقلهم حظا من الانسانية إذا رأى انسانا فاضلا احتشمه ووقره ، وأحب ان يكون مثله ، إلا الشاذ منهم الذي يبلغ من خساسة الطبع ونزارة « 1 » الإنسانية ووقاحة الوجه ، إلى أن يقيم على نصرة ما هو عليه من غير محبة لرتبة من هو أفضل منه . 9 - فائدة التماس الفضيلة واجتناب النقيصة فإذا يجب على العاقل ان يعرف ما ابتلى به الانسان من هذه النقائص التي في جسمه ، وحاجاته الضرورية إلى ازالتها وتكميلها ، فأما بالغذاء فالذي يحفظ به اعتدال مزاجه وقوام حياته فينال منه قدر الضرورة في كماله ، ولا يطالب اللذة لعينها بل قوام الحياة التي تتبعه اللذة ، فان تجاوز ذلك قليلا فبقدر ما يحفظ رتبته في مروءته ، ولا ينسب إلى الدناءة والبخل بحسب حاله ومرتبته بين الناس . واما باللباس فالذي يدفع به اذى الحرّ والبرد ويستر العورة ، فان تجاوز ذلك فبقدر ما لا يستحقر ولا ينسب إلى الشح « 2 » على نفسه ، وإلى أن يسقط بين اقرانه وأهل طبقته ، واما بالجماع فالذي يحفظ نوعه وتبقى به صورته ، اعني طلب النسل ، فان تجاوز ذلك فبقدر ما لا يخرج به عن السنّة ولا يتعدى ما يملكه إلى ما يملكه غيره .
--> ( 1 ) . القليل التافة . ( 2 ) . التقتير والبخل على نفسه .